القياس النحوي عند ابن جنِّي

أحمد ميلاد حيدر
2014 (Faculty of Arts Journal) مجلة كلية الآداب - جامعة مصراتة  
نظرا للصلة الوثيقة بين اللغة والفكر بدأت اللغة تحظى بمنزلة رفيعة على مختلف المستويات الفكرية والعلمية، إلى جانب المباحث الفلسفية في عمومها والمباحث المنطقية في خصوصها، فقد تبوأت مكانا قارًا في عقل الإنسان ووجوده أيضا من حيث أنها ظاهرة ملازمة الحضور مع الإنسان، لا ينفك في تفاعله معها وتفاعلها معه، ومن شدة التأثر المتبادل بينهما صار الإنسان كأنه اللغة، واللغة كأنها الإنسان، فهي المفتاح الذي يلج به الإنسان إلى العالم الخارجي والكون من حوله. لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بواسطة اللفظ المنطوي
more » ... اسطة اللفظ المنطوي في داخله المعنى بواسطة المضمرات الذهنية، وما ينتابه من متغيرات بتغير الدلالات حسب أساليب التركيب ومقتضيات نظم اللغة وقوانينها الكلية في أي لغة كانت، فتبرز ظاهرة التفاهم والتواصل على المستوى الاجتماعي، والبيان والتبيين، أو الفهم والإفهام على مستوى المعرفة الإنسانية منهجا وموضوعا ًجاءت هذه المفرزات من اعتبار أن اللغة وليدة الفكر والفكر ذاته مولدًا للغة، لذا عرًف الفلاسفة الإنسان بأنه "حيوان ناطق"، فإذا كان الحيوان لغة هو "الحياة" فيكون "النطق" فلسفةً هو"العقل"، ويكون المعنى حكما عاما: "الإنسان حياة عاقلة". اتساقا على ما قدمناه واعتمادًا على القياس النحوي كمقارنة لتبيان الصلة بين اللغة والفكر، وانطلاقًا من أن القياس حسب الطرح اللغوي هو ثاني أدلة الأحكام بعد السماع، فإن كان هذا الأخير هو عمدة اللغه وأصلها الأول يعتمد على المسموع أو المنقول، وهو بمثابة حجة يقبلها العقل ويتعامل معها حسب ما هو مبثوث بين أهلها الأقحاح الخلص، إلى جانب أن السماع بوصفه مصدرًا حسيا، يناظر وبماثل "الظاهرة" أو "المعطى" حسب مجال حسية العلوم الطبيعية أو التطبيقية. فإن القياس بوصفه عملا عقليا استدلاليا بما يملكه من آليات وأركان تأسيسية على المستوى الاستنباطي من جانب والمستوى الاستقرائي من جانب آخر فهو العامل المخوَّل له كيفية قياس المسموع بعديا على قياس غير المسموع قبليًّا، أو بمعنى تقدير الفرع لحكم الأصل. اخترنا القياس النحوي عند أبي الفتح عثمان بن جني بوصفه أبرز علماء القرن الرابع الهجري في الحقل اللغوي حيث أسهم بقسط وافر في أحكام بناء النحو العربي وعقلنته من خلال تأصيله لنظام اللغة أصواتا وصيغا وتراكيب، فجاء القياس عنده مالكا ومتسقا مع صبغة صارمة معتمدًا على التحليل المنطقي للغة حسب الأطر الوصفية والتعليلية لمعطياتها ونظمها، وكل هذا رصده في مصنفه "الخصائص" واصفًا إياه بأنه كتاب نظر وتأمل للمتكلمين والفقهاء والمتفلسفين والنحاة ... كلهم فيه نصيب التأمل والبحث عن مستودعه.
doi:10.36602/faj.2014.n02.09 fatcat:unmmbtblr5c6nleotjr5urhx6a